أحمد بن محمد المقري التلمساني
172
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ويفضح الرضا في وصفه أيام ذي سلم ، وكان قومه وبنوه لتلك الحلبة زينا ، ولتلك الجملة عينا ، إن ركبوا خلت الأرض فلكا يحمل نجوما ، وإن وهبوا رأيت الغمام سجوما « 1 » ، وإن أقدموا أحجم عنترة العبسي ، وإن فخروا أفحم عرابة الأوسي « 2 » ، ثم انحرفت الأيام فألوت بإشراقه ، وأذوت يانع إيراقه ، فلم يدفع الرمح ولا الحسام ، ولم تنقع تلك المنن الجسام ، فتملك بعد الملك ، وحط من فلكه إلى الفلك ، فأصبح خائضا تحدوه الرياح ، وناهضا يزجيه البكاء والصياح ، قد ضجت عليه أياديه ، وارتجت جوانب ناديه ، وأضحت منازله قد بان عنها الأنس والحبور ، وألوت ببهجتها الصّبا والدّبور . فبكت العيون عليه دما ، وعاد موجود الحياة عدما ، وصار أحرار الدهر فيه خدما ، فسحقا لدنيا ما رعت حقوقه ، ولا أبقت شروقه ، فكم أحياها لبنيها ، وأبداها رائقة لمجتنيها « 3 » ، وهي الأيام لا يتقي من تجنيها « 4 » ، ولا تبقي على مواليها ومدانيها ، أدثرت آثار جلق ، وأخمدت نار المحلق ، وذللت عزة ابن شداد « 5 » ، وهدت القصر ذا الشّرفات من سنداد ، ونعمت ببؤس النعمان ، وأكمنت غدرها له في طلب الأمان ، انتهى . [ ترجمة الفتح للراضي بالله بن المعتمد ] ثم ذكر الفتح من أخباره وأشعاره ومجالس أنسه وغير ذلك من أمره نبذا ذكرنا بعضها في هذا الكتاب . وقال في ترجمة ابنه الراضي بالله أبي خالد يزيد بن المعتمد ما نصه « 6 » : ملك تفرع من دوحة سناء ، أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وتحدّر من سلالة أكابر ، ورقاة أسرّة ومنابر ، وتصرف أثناء شبيبته بين دراسة معارف ، وإفاضة عوارف ، وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه ، وروضة أجفانه ، لا يستريح منه إلا إلى فرس سائل الغرّة « 7 » ، ميمون الأسرّة ، يسابق به الرياح ، ويحاسن بغرّته البدر الليّاح ، عريق في السناء ، عتيق الاقتناء ، سريع الوخد والإرقال ، من آل أعوج أو ولد لذي العقال « 8 » ، إلى أن ولاه أبوه الجزيرة الخضراء ، وضم إليها رندة الغراء ، فانتقل من متن الجواد ، إلى ذروة الأعواد ، وأقلع عن الدراسة ، إلى تدبير الرياسة ، وما
--> ( 1 ) في ب ، ه « رأيت الغمائم سجوما » . ( 2 ) في ه « أقصر عرابة الأوسي » وعرابة هو ممدوح الشماخ بن ضرار . ( 3 ) في أصل ه « لمجتليها » . ( 4 ) في أصل ه « لا تقي من تجنيها » . ( 5 ) في أصل ه « وذللت عزة عاد بن شداد » . ( 6 ) انظر القلائد ص 31 . ( 7 ) في ب ، ه « إلا إلى متن سائل الغرّة » . ( 8 ) في ب « أو لذي العقال » .